الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
36
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والقرون : جمع قرن وأصله مدة طويلة من الزمان ، والمراد به هنا أهل القرون . وتقدم بيانه عند قوله تعالى : أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ في سورة الأنعام [ 6 ] . وقوله : مِنْ قَبْلِكُمْ حال من القرون . و لَمَّا اسم زمان بمعنى حين على التحقيق ، وتضاف إلى الجملة . والعرب أكثروا في كلامهم تقديم ( لما ) في صدر جملتها فأشمّت بذلك التقديم رائحة الشرطية فأشبهت الشروط لأنها تضاف إلى جملة فتشبه جملة الشرط ، ولأن عاملها فعل مضي فبذلك اقتضت جملتين فأشبهت حروف الشرط . والمعنى : أهلكناهم حينما ظلموا ، أي أشركوا وجاءتهم رسلهم بالبينات مثل هود وصالح ولم يؤمنوا . وجملة : وَجاءَتْهُمْ معطوفة على جملة ظَلَمُوا . والبينات : جمع بينة ، وهي الحجة على الصدق ، وقد تقدم عند قوله تعالى : فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ في سورة الأنعام [ 157 ] . وجملة : وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا معطوفة عليها . ومجموع الجمل الثلاث هو ما وقّت به الإهلاك وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا [ القصص : 59 ] . وعبر عن انتفاء إيمانهم بصيغة لام الجحود مبالغة في انتفائه إشارة إلى اليأس من إيمانهم . وجملة : كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ تذييل . والتعريف في الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ للاستغراق فلذلك عم القرون الماضية وعم المخاطبين ، وبذلك كان إنذارا لقريش بأن ينالهم ما نال أولئك . والمراد بالإجرام أقصاه ، وهو الشرك . والقول في كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ كالقول في نظيره آنفا . وكذلك ذكر لفظ ( القوم ) فهو كما في نظيره في هذه السورة وفي البقرة . [ 14 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 14 ] ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( 14 ) عطف على أَهْلَكْنَا [ يونس : 13 ] وحرف ( ثم ) مؤذن ببعد ما بين الزمنين ، أي ثم